ولكن كونوا ربانيين
انقضت الدنيا بشهواتها وشبهاتها، وأجلبت الشياطين بخيلها ورجلها، وتوجهت سهام وسيوف الأعداء بحدها ونصلها، وأحيط بالمسلمين من كل جانب، عقيدتهم مستهدفة، ووحدتهم مقصودة، وشريعتهم محاربة، سيل من الإغواء والإغراء، وأصناف من الأذى والابتلاء، إنها الدنيوية التي تجيء ترغيبًا وترهيبًا، والتي تجيء فتنة ومحنة، والتي تتنوع شبهة وشهوة.
ويظهر السؤال: ما المهرب وأين الملجأ؟ وكيف تكون العصمة منها؟.
العصمة لا تكون إلا في الربانية، نعم الربانية عصمة من الدنيوية، فهي ليست انقطاعا عنها، ولا انبتاتًا منها، ولا تحريما لها، وإنما هي سياسة الدنيا على منهج الله، استعلاءً عليها وترفعًا عنها، وانتفاعًا بالمباح منها، وحصانةً من أضرارها، وسلامةً من شرورها، وأمنًا من ضلالها وزيغها، الربانية هي أشد ما نفتقر إليه، وهي ما أرشدتنا إليه آيات القرآن وجسدته لنا سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بها تتحقق السلامة في الدنيا، وترجى النجاة في الآخرة.
كثير من المفاهيم -في دنيا الناس- انعكست، وكثير من الموازين انقلبت، ترى المحرم القطعي، ثم تجد من يسميه رقيًا وفنًا وانفتاحًا.. تلاعب بالمصطلحات يغير الحقائق والتشريعات، فالخمر مشروبات روحية، والربا فوائد تجارية، وهكذا بالبعد عن الربانية اختلطت الآراء، وزلت الأقدام، وضلت الأفهام، وحارت العقول، وصار كثير من الناس في حيرة يلتمس الطريق الذي يسلكه، والحبل الذي يستمسك به، ولا سبيل له ولا طريق إلا في الربانية.
الربانية والطريق إليها
يقول الله جل وعلا: “وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ” (آل عمران: 79).
يقول البقاعي رحمه الله: “ولكن كونوا ربانيين تابعين طريق الرب، منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق”.
البعض يفخر بنسبته إلى قبيلته ويجتنب ما يدنس شرفها أو ينقص فخرها، فكيف إذا انتسبت إلى الله سبحانه وتعالى فكنت ربانيًا.. كيف ترضى أن تدنس شرف هذا الانتساب بأوحال الدنيوية
الشهوانية بارتكاب المعاصي والمخالفات؟.
وقال الحلبي: “الرباني منسوب إلى الرب بمعنى التربية، وذلك أن العلماء يربون العلم، أي يصلحونه ويتعلمونه، ثم يربون الناس به فيعلمونهم كما تعلموا، ويصلحونهم كما صلحوا هم به”.
فالرباني هو الجامع بين العلم والعمل الشديد التمسك بطاعة الله وتقواه، الحريص على تعليم وتربية الخلق بما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
تلك هي الربانية، أن تكون مع الله تعلمًا لكتابه ومعرفةً لذاته وأسمائه وصفاته، وعملا بأحكامه وشرائعه، ودعوةً إلى دينه وسبيله، وقيادةً للحياة كلها على منهج الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا تنسلخ في سياستها لتكون صورة من صور النفاق، ولا تنسلخ في معاملاتها لتكون عابدة للدرهم والدينار، لا تنسلخ في حياتها الاجتماعية لتكون من أهل الفساد والفجور.
مقومات الربانية
* الصلة بالله عز وجل، فالرباني منسوب إلى الرَّب، أيقظ هذا الحس في قلبك، أشغل به فكرك، وعلق به قلبك وسدد بآيات القرآن قولك وفعلك، هذه الصلة العظيمة التي تجعلك من الأقوياء بالله، الثابتين الصابرين الموقنين بتأييد الله سبحانه وتعالى: “وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ” (الأنفال: 19) وقال تعالى: “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” (الروم: 47).
* التعلق والتعلم لكتاب الله عز وجل، وهو باب العلم الحق
المزيد