بدء الوحى3

يونيو 30th, 2008 كتبها khaled mohamed نشر في , صحيح البخارى

‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن بكير ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏الليث ‏ ‏عن ‏ ‏عقيل ‏ ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏ ‏عن ‏ ‏عروة بن الزبير ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة أم المؤمنين ‏ ‏أنها قالت ‏
‏أول ما بدئ به رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ‏ ‏فلق ‏ ‏الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو ‏ ‏بغار حراء ‏ ‏فيتحنث ‏ ‏فيه ‏ ‏وهو التعبد ‏ ‏الليالي ذوات العدد ‏ ‏قبل أن ‏ ‏ينزع ‏ ‏إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى ‏ ‏خديجة ‏ ‏فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في ‏ ‏غار حراء ‏ ‏فجاءه ‏ ‏الملك ‏ ‏فقال ‏ ‏اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني ‏ ‏فغطني ‏ ‏حتى بلغ مني الجهد ثم ‏ ‏أرسلني ‏ ‏فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني ‏ ‏فغطني ‏ ‏الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم ‏ ‏أرسلني ‏ ‏فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني ‏ ‏فغطني ‏ ‏الثالثة ثم ‏ ‏أرسلني ‏ ‏فقال ‏

‏اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ‏ ‏علق ‏ ‏اقرأ وربك الأكرم ‏

‏فرجع بها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يرجف فؤاده فدخل على ‏ ‏خديجة بنت خويلد ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏فقال ‏ ‏زملوني ‏ ‏زملوني ‏ ‏فزملوه حتى ذهب عنه ‏ ‏الروع ‏ ‏فقال ‏ ‏لخديجة ‏ ‏وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت ‏ ‏خديجة ‏ ‏كلا والله ‏ ‏ما يخزيك ‏ ‏الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل ‏ ‏الكل ‏ ‏وتكسب ‏ ‏المعدوم ‏ ‏وتقري ‏ ‏الضيف وتعين على ‏ ‏نوائب ‏ ‏الحق فانطلقت به ‏ ‏خديجة ‏ ‏حتى أتت به ‏ ‏ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ‏ ‏ابن عم ‏ ‏خديجة ‏ ‏وكان امرأ قد ‏ ‏تنصر ‏ ‏في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له ‏ ‏خديجة ‏ ‏يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ‏ ‏ورقة ‏ ‏يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏خبر ما رأى فقال له ‏ ‏ورقة ‏ ‏هذا ‏ ‏الناموس ‏ ‏الذي نزل الله على ‏ ‏موسى ‏ ‏يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أومخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا ‏ ‏مؤزرا ‏ ‏ثم لم ‏ ‏ينشب ‏ ‏ورقة ‏ ‏أن توفي وفتر الوحي ‏

‏قال ‏ ‏ابن شهاب ‏ ‏وأخبرني ‏ ‏أبو سلمة بن عبد الرحمن ‏ ‏أن ‏ ‏جابر بن عبد الله الأنصاري ‏ ‏قال ‏ ‏وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا ‏ ‏الملك ‏ ‏الذي جاءني ‏ ‏بحراء ‏ ‏جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت ‏ ‏زملوني ‏ ‏زملوني فأنزل الله تعالى ‏

‏يا أيها ‏ ‏المدثر ‏ ‏قم فأنذر ‏ ‏إلى قوله ‏ ‏والرجز ‏ ‏فاهجر ‏

‏فحمي ‏ ‏الوحي وتتابع ‏ ‏تابعه ‏ ‏عبد الله بن يوسف ‏ ‏وأبو صالح ‏ ‏وتابعه ‏ ‏هلال بن رداد ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏وقال ‏ ‏يونس ‏ ‏ومعمر ‏ ‏بوادره ‏

فتح الباري بشرح صحيح البخاري


‏قوله : ( حدثنا يحيى بن بكير ) ‏
‏هو يحيى بن عبد الله بن بكير نسبة إلى جده لشهرته بذلك , وهو من كبار حفاظ المصريين , وأثبت الناس في الليث بن سعد الفهمي فقيه المصريين . وعقيل بالضم على التصغير , وهو من أثبت الرواة عن ابن شهاب , وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الفقيه , نسب إلى جد جده لشهرته , الزهري نسب إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب , وهو من رهط آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم , اتفقوا على إتقانه وإمامته . ‏

‏قوله : ( من الوحي ) ‏
‏يحتمل أن تكون ” من ” تبعيضية , أي : من أقسام الوحي , ويحتمل أن تكون بيانية ورجحه القزاز . والرؤيا الصالحة وقع في رواية معمر ويونس عند المصنف في التفسير ” الصادقة ” وهي التي ليس فيها ضغث , وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة , ثم مهد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر . ‏

‏قوله : ( في النوم ) ‏
‏لزيادة الإيضاح , أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها مجازا . ‏

‏قوله : ( مثل فلق الصبح ) ‏
‏بنصب مثل على الحال , أي : مشبهة ضياء الصبح , أو على أنه صفة لمحذوف , أي : جاءت مجيئا مثل فلق الصبح . والمراد بفلق الصبح ضياؤه . وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه . ‏

‏قوله : ( حبب ) ‏
‏لم يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك وإن كان كل من عند الله , أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر , أو يكون ذلك من وحي الإلهام . والخلاء بالمد الخلوة , والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له . وحراء بالمد وكسر أوله كذا في الرواية وهو صحيح , وفي رواية الأصيلي بالفتح والقصر وقد حكي أيضا , وحكي فيه غير ذلك جوازا لا رواية . هو جبل معروف بمكة . والغار نقب في الجبل وجمعه غيران . ‏

‏قوله : ( فيتحنث ) ‏
‏هي بمعنى يتحنف , أي : يتبع الحنفية وهي دين إبراهيم , والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم . وقد وقع في رواية ابن هشام في السيرة ” يتحنف ” بالفاء أو التحنث إلقاء الحنث وهو الإثم , كما قيل يتأثم ويتحرج ونحوهما . ‏

‏قوله : ( وهو التعبد ) ‏
‏هذا مدرج في الخبر , وهو من تفسير الزهري كما جزم به الطيبي ولم يذكر دليله , نعم في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير ما يدل على الإدراج . ‏

‏قوله : ( الليالي ذوات العدد ) ‏
‏يتعلق بقوله يتحنث , وإبهام العدد لاختلافه , كذا قيل . وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله , وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر , وذلك الشهر كان رمضان رواه ابن إسحاق . والليالي منصوبة على الظرف , وذوات منصوبة أيضا وعلامة النصب فيه كسر التاء . وينزع بكسر الزاي أي : يرجع وزنا ومعنى , ورواه المؤلف بلفظه في التفسير . ‏

‏قوله : ( لمثلها ) ‏
‏أي : الليالي . والتزود استصحاب الزاد . ويتزود معطوف على يتحنث . وخديجة هي أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى , تأتي أخبارها في مناقبها . ‏

‏قوله : ( حتى جاءه الحق ) ‏
‏أي : الأمر الحق , وفي التفسير : حتى فجئه الحق - بكسر الجيم - أي بغته . وإن ثبت من مرسل عبيد بن عمير أنه أوحي إليه بذلك في المنام أولا قبل اليقظة , أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام . وسمي حقا لأنه وحي من الله تعالى . وقد وقع في رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول شأنه يرى في المنام , وكان أول ما رأى جبريل بأجياد , صرخ جبريل ” يا محمد ” فنظر يمينا وشمالا فلم ير شيئا , فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال ” يا محمد , جبريل ” فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئا , ثم خرج عنهم فناداه فهرب . ثم استعلن له جبريل من قبل حراء , ‏
‏فذكر قصة إقرائه ( اقرأ باسم ربك ) ‏
‏ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر , وهذا من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود , وابن لهيعة ضعيف . وقد ثبت في صحيح مسلم من وجه آخر عن عائشة مرفوعا ” لم أره - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها إلا مرتين ” , وبين أحمد في حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها , والثانية عند المعراج . وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة ” لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين : مرة عند سدرة المنتهى , ومرة في أجياد ” وهذا يقوي رواية ابن لهيعة , وتكون هذه المرة غير المرتين المذكورتين , وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته , والعلم عند الله تعالى . ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيمي فرواها محمد بن عبد الأعلى عن ولده معتمر بن سليمان عن أبيه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حراء وأقرأه ( اقرأ باسم ربك ) ثم انصرف , فبقي مترددا , فأتاه من أمامه في صورته فرأى أمرا عظيما . ‏

‏قوله : ( فجاءه ) ‏
‏هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيدية ; لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى تعقب به , بل هو نفسه , ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه , بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال , وغيره من جهة التفصيل . ‏

‏قوله : ( ما أنا بقارئ ) ‏
‏ثلاثا . ” ما ” نافية , إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء , وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ , والباء زائدة لتأكيد النفي , أي : ما أحسن القراءة . فلما قال ذلك ثلاثا قيل له ( اقرأ باسم ربك ) أي : لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك , لكن بحول ربك وإعانته , فهو يعلمك , كما خلقك وكما نزع عنك علق الدم وغمز الشيطان في الصغر , وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية , ذكره السهيلي . وقال غيره : إن هذا التركيب - وهو قوله ما أنا بقارئ - يفيد الاختصاص . ورده الطيبي بأنه إنما يفيد التقوية والتأكيد , والتقدير : لست بقارئ ألبتة . فإن قيل : لم كرر ذلك ثلاثا ؟ أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولا ” ما أنا بقارئ ” على الامتناع , وثانيا على الإخبار بالنفي المحض , وثالثا على الاستفهام . ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال : كيف أقرأ وفي رواية عبيد بن عمير عن ابن إسحاق : ماذا أقرأ ؟ وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي : كيف أقرأ ؟ كل ذلك يؤيد أنها استفهامية . والله أعلم . ‏

‏قوله : ( فغطني ) ‏
‏بغين معجمة وطاء مهملة , وفي رواية الطبري بتاء مثناة من فوق كأنه أراد ضمني وعصرني , والغط حبس النفس , ومنه غطه في الماء , أو أراد غمني ومنه الخنق . ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن : فأخذ بحلقي . ‏

‏قوله : ( حتى بلغ مني الجهد ) ‏
‏روي بالفتح والنصب , أي : بلغ الغط مني غاية وسعي . وروي بالضم والرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه . وقوله ” أرسلني ” أي : أطلقني , ولم يذكر الجهد هنا في المرة الثالثة , وهو ثابت عند المؤلف في التفسير . ‏

‏قوله : ( فرجع بها ) ‏
‏أي بالآيات أو بالقصة . ‏

‏قوله : ( فزملوه ) ‏
‏أي : لفوه . والروع بالفتح الفزع . ‏

‏قوله : ( لقد خشيت على نفسي ) ‏
‏دل هذا مع قوله ” يرجف فؤاده ” على انفعال حصل له من مجيء الملك , ومن ثم قال ” زملوني ” . والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولا : أولها : الجنون وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة , جاء مصرحا به في عدة طرق , وأبطله أبو بكر بن العربي وحق له أن يبطل , لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك وأنه من عند الله تعالى . ثانيها : الهاجس , وهو باطل أيضا ; لأنه لا يستقر وهذا استقر وحصلت بينهما المراجعة . ثالثها : الموت من شدة الرعب . رابعها : المرض , وقد جزم به ابن أبي جمرة . خامسها : دوام المرض . سادسها : العجز عن حمل أعباء النبوة . سابعها : العجز عن النظر إلى الملك من الرعب . ثامنها : عدم الصبر على أذى قومه . تاسعها : أن يقتلوه . عاشرها : مفارقة الوطن . حادي عشرها : تكذيبهم إياه . ثاني عشرها : تعييرهم إياه . وأولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب الثالث واللذان بعده , وما عداها فهو معترض . والله الموفق . ‏

‏قوله : ( فقالت خديجة كلا ) ‏
‏معناها النفي والإبعاد , ويحزنك بفتح أوله والحاء المهملة والزاي المضمومة والنون من الحزن . ولغير أبي ذر بضم أوله والخاء المعجمة والزاي المكسورة ثم الياء الساكنة من الخزي . ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق ; لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب , وإما بالبدن أو بالمال , وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل , وذلك كله مجموع فيما وصفته به . والكل بفتح الكاف : هو من لا يستقل بأمره كما قال الله تعالى ( وهو كل على مولاه ) ‏
‏وقولها ” وتكسب المعدوم ” ‏
‏في رواية الكشميهني وتكسب بضم أوله , وعليها قال الخطابي : الصواب المعدم بلا واو أي : الفقير ; لأن المعدوم لا يكسب . قلت : ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له , والكسب هو الاستفادة . فكأنها قالت : إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه . وقال قاسم بن ثابت في الدلائل : قوله يكسب معناه ما يعدمه غيره ويعجز عنه يصيبه هو ويكسبه . قال أعرابي يمدح إنسانا : كان أكسبهم لمعدوم , وأعطاهم لمحروم وأنشد في وصف ذئب ‏ ‏كسوب كذا المعدوم من كسب واحد ‏ ‏أي : مما يكسبه وحده . انتهى . ولغير الكشميهني ” وتكسب ” بفتح أوله , قال عياض : وهذه الرواية أصح . قلت : قد وجهنا الأولى , وهذه الراجحة , ومعناها تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك , فحذف أحد المفعولين , ويقال : كسبت الرجل مالا وأكسبته بمعنى . وقيل : معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما لا يصيب غيرك . وكانت العرب تتمادح بكسب المال , لا سيما قريش . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة محظوظا في التجارة . وإنما يصح هذا المعنى إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به في الوجوه التي ذكرت في المكرمات . ‏
‏وقولها ” وتعين على نوائب الحق ” ‏
‏هي كلمة جامعة لأفراد ما تقدم ولما لم يتقدم وفي رواية المصنف في التفسير من طريق يونس عن الزهري من الزيادة ” وتصدق الحديث ” وهي من أشرف الخصال . وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة ” وتؤدي الأمانة ” . وفي هذه القصة من الفوائد استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه , وأن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصيحته وصحة رأيه . ‏

‏قوله : ( فانطلقت به ) ‏
‏أي مضت معه , فالباء للمصاحبة . وورقة بفتح الراء . ‏
‏وقوله ” ابن عم خديجة ” ‏
‏هو بنصب ابن ويكتب بالألف , وهو بدل من ورقة أو صفة أو بيان , ولا يجوز جره فإنه يصير صفة لعبد العزى , وليس كذلك , ولا كتبه بغير ألف ; لأنه لم يقع بين علمين . ‏

‏قوله : ( تنصر ) ‏
‏أي : صار نصرانيا , وكان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين , فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصر , وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل , ولهذا أخبر بشأن النبي صلى الله عليه وسلم والبشارة به , إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل وأما زيد بن عمرو فسيأتي خبره في المناقب إن شاء الله تعالى . ‏

‏قوله : ( فكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ) ‏
‏, وفي رواية يونس ومعمر : ويكتب من الإنجيل بالعربية . ولمسلم : فكان يكتب الكتاب العربي . والجميع صحيح ; لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي , لتمكنه من الكتابين واللسانين . ووقع لبعض الشراح هنا خبط فلا يعرج عليه . وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرا كتيسر حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة , فلهذا جاء في صفتها ” أناجيلها صدورها ” . قولها ” يا ابن عم ” هذا النداء على حقيقته , ووقع في مسلم ” يا عم ” وهو وهم ; لأنه وإن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد , فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين , فتعين الحمل على الحقيقة . وإنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي ; لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة واختلفت المخارج فأمكن التعداد , وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه . وقالت في ح

المزيد


بدء الوحى2

يونيو 28th, 2008 كتبها khaled mohamed نشر في , صحيح البخارى

‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن يوسف ‏ ‏قال أخبرنا ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏هشام بن عروة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة أم المؤمنين ‏ ‏رضي الله عنها ‏
‏أن ‏ ‏الحارث بن هشام ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏سأل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أحيانا يأتيني مثل ‏ ‏صلصلة ‏ ‏الجرس وهو أشده علي ‏ ‏فيفصم ‏ ‏عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي ‏ ‏الملك ‏ ‏رجلا فيكلمني فأعي ما يقول قالت ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ‏ ‏فيفصم ‏ ‏عنه وإن جبينه ‏ ‏ليتفصد ‏ ‏عرقا ‏

فتح الباري بشرح صحيح البخاري


‏قوله : ( حدثنا عبد الله بن يوسف ) ‏
‏هو التنيسي , كان نزل تنيس من عمل مصر , وأصله دمشقي , وهو من أتقن الناس في الموطأ , كذا وصفه يحيى بن معين . ‏

‏قوله : ( أم المؤمنين ) ‏
‏هو مأخوذ من قوله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) أي : في الاحترام وتحريم نكاحهن لا في غير ذلك مما اختلف فيه على الراجح , وإنما قيل للواحدة منهن أم المؤمنين للتغليب , وإلا فلا مانع من أن يقال لها أم المؤمنات على الراجح . ‏

‏قوله : ( أن الحارث بن هشام ) ‏
‏هو المخزومي , أخو أبي جهل شقيقه , أسلم يوم الفتح , وكان من فضلاء الصحابة , واستشهد في فتوح الشام . ‏

‏قوله ( سأل ) ‏
‏هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة , فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك , وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسند عائشة . ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعد فيكون من مرسل الصحابة , وهو محكوم بوصله عند الجمهور . وقد جاء ما يؤيد الثاني , ففي مسند أحمد ومعجم البغوي وغيرهما من طريق عامر بن صالح الزبيري عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال : سألت . وعامر فيه ضعف , لكن وجدت له متابعا عند ابن منده , والمشهور الأول . ‏

‏قوله : ( كيف يأتيك الوحي ) ‏
‏يحتمل أن يكون المسئول عنه صفة الوحي نفسه , ويحتمل أن يكون صفة حامله أو ما هو أعم من ذلك , وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز ; لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله . واعترض الإسماعيلي فقال : هذا الحديث لا يصلح لهذه الترجمة , وإنما المناسب لكيفية بدء الوحي الحديث الذي بعده , وأما هذا فهو لكيفية إتيان الوحي لا لبدء الوحي ا ه . قال الكرماني : لعل المراد منه السؤال عن كيفية ابتداء الوحي , أو عن كيفية ظهور الوحي , فيوافق ترجمة الباب . قلت : سياقه يشعر بخلاف ذلك لإتيانه بصيغة المستقبل دون الماضي , لكن يمكن أن يقال : إن المناسبة تظهر من الجواب ; لأن فيه إشارة إلى انحصار صفة الوحي أو صفة حامله في الأمرين فيشمل حالة الابتداء , وأيضا فلا أثر للتقديم والتأخير هنا ولو لم تظهر المناسبة , فضلا عن أنا قدمنا أنه أراد البداءة بالتحديث عن إمامي الحجاز فبدأ بمكة ثم ثنى بالمدينة . وأيضا فلا يلزم أن تتعلق جميع أحاديث الباب ببدء الوحي , بل يكفي أن يتعلق بذلك وبما يتعلق به وبما يتعلق بالآية أيضا , وذلك أن أحاديث الباب تتعلق بلفظ الترجمة وبما اشتملت عليه , ولما كان في الآية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله ناسب تقديم ما يتعلق بها وهو صفة الوحي وصفة حامله إشارة إلى أن الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه , فحسن إيراد هذا الحديث عقب حديث الأعمال الذي تقدم التقدير بأن تعلقه بالآية الكريمة أقوى تعلق , والله سبحانه وتعالى أعلم . ‏

‏قوله : ( أحيانا ) ‏
‏جمع حين يطلق على كثير الوقت وقليله , والمراد به هنا مجرد الوقت , فكأنه قال : أوقاتا يأتيني , وانتصب على الظرفية وعامله يأتيني مؤخر عنه , وللمصنف من وجه آخر عن هشام في بدء الخلق قال : كل ذلك يأتي الملك , أي : كل ذلك حالتان فذكرهما . وروى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كان الوحي يأتيني على نحوين : يأتيني به جبريل فيلقيه علي كما يلقي الرجل على الرجل , فذاك ينفلت مني . ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي , فذاك الذي لا ينفلت مني وهذا مرسل مع ثقة رجاله , فإن صح فهو محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى ( لا تحرك به لسانك ) كما سيأتي , فإن الملك قد تمثل رجلا في صور كثيرة ولم ينفلت منه ما أتاه به كما في قصة مجيئه في صورة دحية وفي صورة أعرابي وغير ذلك وكلها في الصحيح . وأورد على ما اقتضاه الحديث - وهو أن الوحي منحصر في الحالتين - حالات أخرى : إما من صفة الوحي كمجيئه كدوي النحل , والنفث في الروع , والإلهام , والرؤيا الصالحة , والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة . وإما من صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح , ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض وقد سد الأفق . والجواب منع الحصر في الحالتين المقدم ذكرهما وحملهما على الغالب , أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال , أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما , فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين أو لم يأته في تلك الحالة بوحي أو أتاه به فكان على مثل صلصلة الجرس , فإنه بين بها صفة الوحي لا صفة حامله . وأما فنون الوحي فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس ; لأن سماع الدوي بالنسبة إلى الحاضرين - كما في حديث عمر - يسمع عنده كدوي النحل والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين , وشبهه هو صلى الله عليه وسلم بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه . وأما النفث في الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين , فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في روعه . وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه ; لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل , وكذا التكليم ليلة الإسراء . وأما الرؤية الصالحة فقال ابن بطال : لا ترد ; لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس ; لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره ا ه . والرؤيا الصادقة وإن كانت جزءا من النبوة فهي باعتبار صدقها لا غير , وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا وليس كذلك , ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة , أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل فاقتصر على ما يخفى عليه , أو كان ظهور ذلك له صلى الله عليه وسلم في المنام أيضا على الوجهين المذكورين لا غير , قاله الكرماني : وفيه نظر . وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا - فذكرها - وغالبها من صفات حامل الوحي , ومجموعها يدخل فيما ذكر , وحديث إن روح القدس نفث في روعي , أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة , وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود . ‏

‏قوله : ( مثل صلصلة الجرس ) ‏
‏في رواية مسلم في مثل صلصلة الجرس والصلصلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة : في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض , ثم أطلق على كل صوت له طنين , وقيل : هو صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة , والجرس الجلجل الذي يعلق في رءوس الدواب , واشتقاقه من الجرس بإسكان الراء وهو الحس , وقال الكرماني : الجرس ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير , فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحصلت الصلصلة ا ه . وهو تطويل للتعريف بما لا طائل تحته . وقوله قطعة نحاس معترض لا يختص به وكذا البعير وكذا قوله منكوسا ; لأن تعليقه على تلك الصورة هو وضعه المستقيم له . فإن قيل : المحمود لا يشبه بالمذموم , إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل , والمشبه الوحي وهو محمود , والمشبه به صوت الجرس وهو مذموم لصحة النهي عنه والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما , فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة ؟ والجواب أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها , بل ولا في أخص وصف له , بل يكفي اشتراكهما في صفة ما ,

المزيد


إنما العمال بالنيات

يونيو 18th, 2008 كتبها khaled mohamed نشر في , صحيح البخارى

‏حدثنا ‏ ‏الحميدي عبد الله بن الزبير ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏يحيى بن سعيد الأنصاري ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏محمد بن إبراهيم التيمي ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏علقمة بن وقاص الليثي ‏ ‏يقول سمعت ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏على المنبر ‏
‏قال سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏إنما الأعمال ‏ ‏بالنيات ‏ ‏وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا ‏ ‏يصيبها ‏ ‏أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ‏

فتح الباري بشرح صحيح البخاري


‏قوله : ( حدثنا الحميدي ) ‏
‏هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى , منسوب إلى حميد بن أسامة بطن من بني أسد بن عبد العزى بن قصي رهط خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , يجتمع معها في أسد ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي . وهو إمام كبير مصنف , رافق الشافعي في الطلب عن ابن عيينة وطبقته وأخذ عنه الفقه ورحل معه إلى مصر , ورجع بعد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومائتين . فكأن البخاري امتثل قوله صلى الله عليه وسلم قدموا قريشا فافتتح كتابه بالرواية عن الحميدي لكونه أفقه قرشي أخذ عنه . وله مناسبة أخرى لأنه مكي كشيخه فناسب أن يذكر في أول ترجمة بدء الوحي لأن ابتداءه كان بمكة , ومن ثم ثنى بالرواية عن مالك لأنه شيخ أهل المدينة وهي تالية لمكة في نزول الوحي وفي جميع الفضل , ومالك وابن عيينة قرينان , قال الشافعي : لولاهما لذهب العلم من الحجاز . ‏

‏قوله : ( حدثنا سفيان ) ‏
‏هو ابن عيينة بن أبي عمران الهلالي أبو محمد المكي , أصله ومولده الكوفة , وقد شارك مالكا في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة , وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين . ‏

‏قوله : ( عن يحيى بن سعيد ) ‏
‏في رواية غير أبي ذر : حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري . اسم جده قيس بن عمرو وهو صحابي , ويحيى من صغار التابعين , وشيخه محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي من أوساط التابعين , وشيخ محمد علقمة بن وقاص الليثي من كبارهم , ففي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق . وفي المعرفة لابن منده ما ظاهره أن علقمة صحابي , فلو ثبت لكان فيه تابعيان وصحابيان , وعلى رواية أبي ذر يكون قد اجتمع في هذا الإسناد أكثر الصيغ التي يستعملها المحدثون , وهي التحديث والإخبار والسماع والعنعنة والله أعلم . وقد اعترض على المصنف في إدخاله حديث الأعمال هذا في ترجمة بدء الوحي وأنه لا تعلق له به أصلا , بحيث إن الخطابي في شرحه والإسماعيلي في مستخرجه أخرجاه قبل الترجمة لاعتقادهما أنه إنما أورده للتبرك به فقط , واستصوب أبو القاسم بن منده صنيع الإسماعيلي في ذلك , وقال ابن رشيد : لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف , وقد تكلفت مناسبته للترجمة , فقال : كل بحسب ما ظهر له . انتهى . وقد قيل : إنه أراد أن يقيمه مقام الخطبة للكتاب ; لأن في سياقه أن عمر قاله على المنبر بمحضر الصحابة , فإذا صلح أن يكون في خطبة المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتب . وحكى المهلب أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب به حين قدم المدينة مهاجرا , فناسب إيراده في بدء الوحي ; لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها لأن بالهجرة افتتح الإذن في قتال المشركين , ويعقبه النصر والظفر والفتح انتهى . وهذا وجه حسن , إلا أنني لم أر ما ذكره - من كونه صلى الله عليه وسلم - خطب به أول ما هاجر - منقولا . وقد وقع في باب ترك الحيل بلفظ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية الحديث , ففي هذا إيماء إلى أنه كان في حال الخطبة , أما كونه كان في ابتداء قدومه إلى المدينة فلم أر ما يدل عليه , ولعل قائله استند إلى ما روي في قصة مهاجر أم قيس , قال ابن دقيق العيد : نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس , فلهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به , انتهى . وهذا لو صح لم يستلزم البداءة بذكره أول الهجرة النبوية . وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد من منصور قال أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : من هاجر يبتغي شيئا فإنما له ذلك , هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها , فكنا نسميه مهاجر أم قيس . وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين , لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك , ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك . وأيضا فلو أراد البخاري إقامته مقام الخطبة فقط أو الابتداء به تيمنا وترغيبا في الإخلاص لكان ساقه قبل الترجمة كما قال الإسماعيلي وغيره ونقل ابن بطال عن أبي عبد الله بن النجار قال : التبويب يتعلق بالآية والحديث معا ; لأن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء ثم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بالنيات لقوله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } . ‏
‏وقال أبو العالية في قوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } قال وصاهم بالإخلاص في عبادته . وعن أبي عبد الملك البوني قال : مناسبة الحديث للترجمة أن بدء الوحي كان بالنية ; لأن الله تعالى فطر محمدا على التوحيد وبغض إليه الأوثان ووهب له أول أسباب النبوة وهي الرؤيا الصالحة , فلما رأى ذلك أخلص إلى الله في ذلك فكان يتعبد بغار حراء فقبل الله عمله وأتم له النعمة . وقال المهلب ما محصله : قصد البخاري الإخبار عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في حال منشئه وأن الله بغض إليه الأوثان وحبب إليه خلال الخير ولزوم الوحدة فرارا من قرناء السوء , فلما لزم ذلك أعطاه الله على قدر نيته ووهب له النبوة كما يقال الفواتح عنوان الخواتم . ولخصه بنحو من هذا القاضي أبو بكر بن العربي . ‏
‏وقال ابن المنير في أول التراجم : كان مقدمة النبوة في حق النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى الله تعالى بالخلوة في غار حراء فناسب الافتتاح بحديث الهجرة . ومن المناسبات البديعة الوجيزة ما تقدمت الإشارة إليه أن الكتاب لما كان موضوعا لجمع وحي السنة صدره ببدء الوحي , ولما كان الوحي لبيان الأعمال الشرعية صدره بحديث الأعمال , ومع هذه المناسبات لا يليق الجزم بأنه لا تعلق له بالترجمة أصلا . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث : قال أبو عبد الله : ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث . واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي فيما نقله البويطي عنه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني على أنه ثلث الإسلام , ومنهم من قال ربعه , واختلفوا في تعيين الباقي . وقال ابن مهدي أيضا : يدخل في ثلاثين بابا من العلم , وقال الشافعي : يدخل في سبعين بابا , ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة . وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا : ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب . ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه , فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها ; لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها , ومن ثم ورد : نية المؤمن خير من عمله , فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين . وكلام الإمام أحمد يدل على أنه بكونه ثلث العلم أنه أراد أحد القواعد الثلاثة التي ترد إليها جميع الأحكام عنده , وهي هذا و من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد و الحلال بين والحرام بين الحديث . ثم إن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ , ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك , وقال أبو جعفر الطبري : قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودا لكونه فردا ; لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة , ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد , وهو كما قال , فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرد به من فوقه وبذلك جزم الترمذي والنسائي والبزار وابن السكن وحمزة بن محمد الكناني , وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد , وهو كما قال لكن بقيدين : ‏
‏أحدهما : الصحة لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وأبو القاسم بن منده وغيرهما . ‏
‏ثانيهما : السياق لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم يبعثون على نياتهم , وحديث ابن عباس ولكن جهاد ونية , وحديث أبي موسى من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليهما , وحديث ابن مسعود رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته أخرجه أحمد , وحديث عبادة من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى أخرجه النسائي , إلى غير ذلك مما يتعسر حصره , وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر , إلا إن حمل على التواتر المعنوي فيحتمل . نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد : فحكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مائتان وخمسون نفسا , وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده فجاوز الثلثمائة , وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرة عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي قال : كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى . قلت : وأنا أستبعد صحة هذا , فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المائة , وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم , كما سيأتي مثال لذلك في الكلام على حديث ابن عمر في غسل الجمعة إن شاء الله تعالى . ‏

‏قوله : ( على المنبر ) ‏
‏بكسر الميم , واللام للعهد , أي منبر المسجد النبوي , ووقع في رواية حماد بن زيد عن يحيى في ترك الح

المزيد